ابن عجيبة

360

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : وإن استجارك - أيها العارف - أحد من عوام المسلمين ممن لم يدخل معكم بلاد الحقائق ، وأراد أن يسمع شيئا من علوم القوم ، فأجره حتى يسمع شيئا من علومهم وأسرارهم ، فلعل ذلك يكون سببا في دخوله في طريق القوم . ولا ينبغي للفقراء أن يطردوا من يأتيهم من العوام ، بل يتلطفوا معهم ، ويسمعوهم ما يليق بحالهم ؛ لأنّ العوام لا علم لهم بما للخواص ، فإنّ أطلعوا على ما خصهم اللّه به من العلوم دخلوا معهم ، إن سبق لهم شئ من الخصوصية . وقال شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضى اللّه عنه : لا ينبغي لأهل الخصوصية أن يدخلوا بلد العموم إلا في جوار أحد منهم ، وإلا أنكرته البلد ؛ لأن البلد أمّ تغير على غير أبنائها ، ولا ينبغي أيضا للعموم أن يدخلوا بلد الخصوص إلا في جوار رجل منهم ، وإلا أنكرته البلد . ه . بالمعنى . ثم استبعد الحق أن يكون للمشركين عهد مع المسلمين ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 7 إلى 11 ] كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 7 ) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ( 8 ) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 9 ) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ( 10 ) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 11 ) قلت : ( إلا الذين ) : محله النصب على الاستثناء ، أو جر على البدل من « المشركين » ، أو رفع على الانقطاع ، أي : لكن الذين عاهدتم فما استقاموا لكم ، و ( الإل ) : القرابة والحلف ، وحذف الفعل في قوله : ( كيف وإن يظهروا عليكم ) ؛ للعلم به بما تقدم ، أي : كيف يكون لهم عهد والحال أنهم إن يظهروا عليكم . . إلخ يقول الحق جل جلاله ، في استبعاد العهد من المشركين والوفاء به : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ؟ مع شدة حقدهم وعداوتهم للرسول وللمسلمين ، مع ما تقدم لهم من النقض والخيانة فيه ، إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ قيل : هم المستثنون قبل . وقال ابن إسحاق : هي قبائل بنى بكر ، كانوا